الرئيسية / بحوث ومقالات / دور المرجعية الدينية في العراق بين 2003-2015

دور المرجعية الدينية في العراق بين 2003-2015

 

د . احمد جودي الجراح : مدير تنفيذي لمركز الحكمة للحوار والتعاون

المرجعية الدينية هي منصب ديني يرجع اليه الناس لمعرفة الأحكام الشرعية والحوادث المستجدة ، ويعتقد الشيعة ان المرجعية ثبتت بالدليل الشرعي ، اما في من يتصدى لها فقد ترك المجال لكل من تنطبق عليه شروط أهمها الاعلمية والتقوى ، وبهذا يتصدى لمنصب المرجعية في كل مرحلة مجموعة من العلماء ، ويبقى لكل واحد منهم اجتهاده وطريقته في التصدي ، وينفرد من بينهم ايضاً مرجع يسمى المرجع الاعلى الذي تناط به المسؤوليات الكبرى كرعاية الناس والعلم وغيرها .

تمثل مرجعية النجف الاشرف هي المرجعية الاولى في المجتمع الشيعي لذلك يمتد مقلدوها في بقاع مختلفة من العالم ، ويرجعون اليها في استيضاح مستجدات المسائل الشرعية ، ويتواصلون معها من خلال حلقة الوكلاء الذين ينوبون عنها في المناطق التي يتواجدون فيها اتباعهم .

وابرز ما تتميز به المرجعية الدينية هو العمق العلمي والزهد في الدنيا والحكمة ، وهذا جعل من المجتمع يرتبط ارتباطاً قوياً بها ، ويستجيب سريعاً لما يصدر عنها ، ويؤكد تاريخ المرجعية الدينية على انها ومع الظروف القاسية التي مرت بها بقيت صامدة تواصل نشاطها وارتباطها ، فقد لعبت دوراً مهما لا علي مستوى الشيعة فقط ، بل على مستوى المسلمين وفي مدن مختلفة . وفي هذه الورقة نماذج من دور المرجعية الدينية في تاريخ العراق الحالي نستعرض منها أنموذج التعايش بين المكونات ، وحفظ دماء العراقيين ، ودورها في المطالبة في الإصلاحات والالتزام بالقانون .

 

أولاً : الحث على التعايش

يتضح جيداً من خلال مناسبات أو لقاءات متعددة مع المكونات المختلفة من أبناء الشعب العراقي على اهتمام المرجعية الدينية بمسألة التعايش ، وهذا الاهتمام لا يمكن قراءته بمعزل عن الظروف التي مرت بها المرجعية لاسيما في الحقبة التي حكم بها المجرم صدام حسين اذ مارس اتجاهها شتى صنوف القتل والتهجير والتعذيب والسجن وغيرها ، مما أعطى صورة بشعة من صور الدكتاتور ، اذ تسنم الاقلية جميع مناصب الدولة ، في جميع محافظات العراق مما عاشت الاكثرية التهميش بكل معانيه .

وبعد ان حدث التغيير عام 2003م ، وأفرزت العملية الديمقراطية نتائج تفرض بتصدي الشيعة لمنصب رئاسة الوزارء ، بقي الشيعة مستهدفون بشكل يومي ، وانتهى هذا الاستهداف أخيراً بهجوم داعش 6/10/2014م على الشيعة أولاً في المناطق الشمالية معلنين الهدف وراء ذلك هو النجف الاشرف وكربلاء المقدسة .

وكما قال أبو محمد العدناني أحد أبرز قيادات تنظيم “داعش” والمتحدث باسمه في كلمة نشرت على مواقع تعنى بأخبار الإرهابيين : “ واصلوا زحفكم فانه ما حمي الوطيس بعد ، فلن يحمى الا في بغداد وكربلاء فتحزموا وتجهزوا”. وتابع موجهاً الكلمة لرئيس الوزراء : “حقا ان بيننا تصفية للحساب ،  حساب ثقيل طويل ، ولكن تصفية الحساب لن تكون في سامراء او بغداد، وانما في كربلاء المنجسة والنجف الاشرك وانتظروا ان معكم منتظرون ”. وغيرها من البيانات التي نصت على هذا المعنى ..

وعوداً على التغيير بعد عام 2003م ، وهذا مما فرض على المرجعية الدينية مسؤوليات كبيرة منها مراقبة العملية السياسية و العمل على رعاية النسيج العراقي ، وهذا ما تطلب توازناً كبيراً في النظر إلى ذلك ، إذ ان المسؤولية تحولت إلى قضية قلق من ردات الفعل الانتقامية ، والحذر من استغلال صمت وصبر الأكثرية ، فتحملت المرجعية ثقل المسؤولية وبدأت بتوجيه التوصيات المستمرة لرعاية العملية الديمقراطية التي ترعى جميع المكونات ، بدءاً من إقامة دولة مدنية تحفظ فيها الحقوق من خلال الصندوق الانتخابي إلى عملية المحافظة على القرار المشترك وعدم تهميش احد .

وعندما سُئل سماحة المرجع الأعلى السيد السيستاني عن شكل نظام الحكم أجاب : ( النظام الذي يعتمد مبدأ الشورى والتعددية واحترام حقوق جميع المواطنين  ) ، وأجاب في مورد اخر : ( شكل العراق الجديد يحدده الشعب العراقي بجميع قومياته ومذاهبه والية ذلك هي الانتخابات الحرة المباشرة ) النصوص الصادرة عن مكتب السيد السيستاني ، حامد الخفاف ، 301- 302)

ثانياً : حفظ دماء العراقيين

أولوية عملت عليها المرجعية الدينية ، وقد تتبع العراقيون والمراقبون أحداثاً عصفت بالعراق بدأت من عملية احتلاله ودخول القوات الأجنبية إلى يوم ما رافقه من تشكيل الحكومة المؤقتة وإعداد الدستور الى ممارسة الضغط على الجماهير لمنع الفتن الطائفية لاسيما بعد تفجير المرقد العسكرين في سامراء ، يؤكد على الحرص الشديد لدماء ابناء العراق ومحاولة الابتعاد عن ما يؤدي الى اراقة قطرة دم واحدة .

وقد وجه المرجع الديني الكبير السيد محمد سعيد الحكيم رسالة الى الشعب العراقي عام 2003م جاء فيها : ( العراق ككثير من البلاد ـ قد جمع طوائف مختلفة في الدين والمذهب والقوميات وغير ذلك من الانتماءات . وهذا أمر واقع فرض نفسه علينا يجب الاعتراف به ، والتعايش معه بالحكمة وحسن التصرف ، بنحو يجنب الجميع المشاكل والمضاعفات الخطيرة التي تفرزها الخلافات والمشاحنات .

ومهما بلغ الخلاف بين الفئات والطوائف المذكورة شدّةً وحدّة فليس من الحكمة إلغاء بعضها لبعض وتجاهلها ، والتعدّي عليها وهضم حقها ، لأن ذلك يؤدي الى :

(أولا): ظلم للحقيقة .

(ثانيا): سبب لتعصب الطرف الذي يُتَجاهل ـ مهما كان ضعيفاً ـ لواقعه، وتمسّكه به، والاستجابة لدعوات التطرُّف، بنحو يزيد من شقّة الخلاف، ويمنع من فرص التلاقي والتقارب والحوار. 

(ثالثاً): يؤدّي إلى تأجج العواطف ، واستحكام العداء والحقد، بنحو قد ينفجر عن صراع دموي، وفتنة عارمة تضر بالجميع ، وتدمر البلد وتفتت وحدته.

(رابعاً): يكون ثغرة ينفذ منها الأعداء الذي يتربصون بنا الدوائر، والنفعيون الذي يعيشون في المستنقعات، ويتصيدون في الماء العكر. وكفى بتجربة الماضي القريب وما جرت على هذا البلد من مآس ودمار عبرة يستفيد منها اهله في تنظيم أمورهم وتصحيح أوضاعهم.

بل اللازم على أهل البلد الواحد الاعتراف بواقعهم الذي يعيشونه، والتكيّف معه بالاحترام المتبادل بين الجميع، وحسن المخالطة والمعاشرة، وإعطاء كل ذي حق حقه، ومراعاة شعوره، وتجنب الاحتكاك المثير للعواطف، والجارح للشعور. ( رسالة سماحة المرجع الى الشعب العراقي العزيز 10)

وقد اصدر سماحة السيد السيستاني بياناً بعد حادثة تفجير سامراء ما نصه : ” لقد اراد المجرمون التكفيريون الذين ارتكبوا ذلك الاعتداء الاثم ان يجعلوا منه منطلقا لفتنة طائفية شاملة في العراق ، ظناً منهم انها تقربهم من تحقيق اهدافهم الخبيثة في هذا البلد العزيز ، وذلك بعد ان عجزوا عن اشعال نار الفتنة فيه لازيد من عامين منذ بدء الاحتلال ، بالرغم من كل ما ارتكبوه من مجازر وحشية في مختلف الاماكن ولاسيما في المدن المقدسة النجف وكربلاء والكاظمية … ، الى ان يصل : ” وكما ندعو المؤمنين وهم يحيون هذه المناسبة الحزينة ويعبرون عن مشاعرهم الجياشة تجاه ما تعرض له ائمتهم من هتك واعتداء ان يراعوا اقصى درجات الانضباط ولايبدر منهم قول او فعل يسي الى المواطنين من اخواننا اهل السنة الذين هم براء من تلك الجريمة النكراء ولايرضون بها ابداً “. ( النصوص الصادرة ، 172)

 

ثالثاً : المطالبة في الإصلاحات والالتزام بالقانون

لم تكتف المرجعية بمراقبة أداء الحكومات ، وإنما كانت هناك توجيهات مستمرة لتصحيح مسيرة الأداء الحكومي ، وقد لوحظ وبشكل ملفت للنظر ان المرجعية الدينية قد أغلقت الباب بوجه السياسيين ومنعت من استقبالهم احتجاجا على عدم الإجابة للمطالب التصحيحية لمسيرة الحكومة ، وقد اكد سماحة السيد السيستاني مرارا على سوء استغلال السلطة وعلى ضرورة مكافحة الفساد وشدد على لزوم تمكين القضاء من ممارسة دوره في محاسبة الفاسدين ومعاقبتهم . ( النصوص الصادرة ، 273)

وأخرها توجيه كان لرئيس الوزراء العراقي بتحمل المسؤولية للقيام بالإصلاحات الضرورية في الحكومة العراقية وتصحيح النظام القضائي .

 

 

التوصيات

يمكن النظر الى مجموعة من الفرص التي يمكن ان تسهم في وضع الحلول لمعالجة وضع العراق الحالي ، وهذه النقاط التي ينبغي على المنظمات الدولية النظر بها بشكل جدي ومنها :

1-  العمل على توحيد الرؤى باتجاه دعم الحكومة العراقية لتستطيع محاربة قوى الإرهاب في العراق ومتابعة تنفيذ الإصلاحات لتنهض بالبلد من الواقع المتردي إلى الأحسن .

2-  الأخذ بعين الاعتبار وجهة نظر المرجعية الدينية في الإرهاب إذ أنها تشير إلى مسائل عدة :

أ/ إن الإرهاب لا يمثل الإسلام بوجه .

ب/ ان البلدان التي تتفرج على الإرهاب من المتوقع ان تبتلى به .

ج/ لا بد من تشكيل اللجان التحقيقية الدولية لمتابعة الجرائم من قبيل البحث عن هوية المجاميع الإرهابية ومتابعة مصادر التمويل .

3- تعد تجربة منظمات المجتمع المدني في العراق تجربة حديثة انشأت بعد عام 2003م وهي مع ما قدمته من أداء جيد لكنها لازالت بحاجة الى الدعم والتطوير والتدريب .

دور المرجعية الدينية في العراق بين 2003-2015 .pdf

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *